الشوكاني
250
فتح القدير
سورة الأعراف الآية ( 153 - 154 ) الغضب ما نزل بهم من العقوبة في الدنيا بقتل أنفسهم ، وما سينزل بهم في الآخرة من العذاب ، والذلة هي التي ضربها الله عليهم بقوله - ضربت عليهم الذلة - ، وقيل هي إخراجهم من ديارهم ، وقيل هي الجزية ، وفيه نظر لأنها لم تؤخذ منهم ، وإنما أخذت من ذراريهم . والأولى أن يقيد الغضب والذلة بالدنيا لقوله ( في الحياة الدنيا ) وإن ذلك مختص بالمتخذين للعجل إلها لا لمن بعدهم من ذراريهم ومجرد ما أمروا به من قتل أنفسهم هو غضب من الله عليهم ، وبه يصيرون أذلاء ، وكذلك خروجهم من ديارهم هو من غضب الله عليهم ، وبه يصبرون أذلاء وأما ما نال ذراريهم من الذلة فلا يصح تفسير ما في الآية به إلا إذا تعذر حمل الآية على المعنى الحقيقي ، وهو لم يتعذر هنا ( وكذلك نجزى المفترين ) أي مثل ما فعلنا بهؤلاء نفعل بالمفترين ، والافتراء الكذب ، فمن افترى على الله سيناله من الله غضب وذلة في الحياة الدنيا . وإن لم يكن بنفس ما عوقب به هؤلاء ، بل المراد ما يصدق عليه أنه من غضب الله سبحانه وأن فيه ذلة بأي نوع كان ( والذين عملوا السيئات ) أي سيئة كانت ( ثم تابوا ) عنها ( من بعد ) عمل ( ها وآمنوا ) بالله ( إن ربك من بعدها ) أي من بعد هذه التوبة ، أو من بعد عمل هذه السيئات التي قد تاب عنها فاعلها وآمن بالله ( لغفور رحيم ) أي كثير الغفران لذنوب عباده وكثير الرحمة لهم . قوله ( ولما سكت عن موسى الغضب ) أصل السكوت السكون والإمساك ، يقال جرى الوادي ثلاثا ثم سكن : أي أمسك عن الجري : قيل هذا مثل كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ، ويقول له قل لقومك كذا وألق الألواح وجر برأس أخيك فترك الاغراء وسكت ، وقيل هذا الكلام فيه قلب ، والأصل سكت موسى عن الغضب كقولهم أدخلت الأصبع الخاتم ، والخاتم بن الأصبع ، وأدخلت القلنسوة رأسي . ورأسي القلنسوة . وقرأ معاوية بن قرة " ولما سكن عن موسى الغضب " وقرئ سكت وأسكت ( أخذ الألواح ) التي ألقاها عند غضبه ( وفى نسختها هدى ورحمة النسخ نقل ما في كتاب إلى كتاب آخر ، ويقال للأصل الذي كان النقل منه نسخة وللمنقول نسخة أيضا . قال القشيري . والمعنى ( وفى نسختها ) : أي فيما نسخ من الألواح المتكسرة ونقل إلى الألواح الجديدة ( هدى ورحمة ) وقيل المعنى : وفيما نسخ له منها : أي من اللوح المحفوظ ، وقيل المعنى : وفيما كتب له فيها هدى ورحمة ، فلا يحتاج إلى أصل ينقل عنه ، وهذا كما يقال أنسخ ما يقول فلان : أي أثبته في كتابك والنسخة فعلة ، بمعنى مفعولة كالخطبة . والهدى ما يهتدون به من الأحكام ، والرحمة ما يحصل لهم من الله عند عملهم بما فيها من الرحمة الواسعة ، واللام في ( للذين هم ) متعلقة بمحذوف : أي كائنة لهم أو لأجلهم ، واللام في ( لربهم يرهبون ) للتقوية للفعل لما كان مفعوله متقدما عليه فإنه يضعف بذلك بعض الضعف . وقد صرح الكسائي بأنها زائدة . وقال الأخفش : هي لام الأجل أي لأجل ربهم يرهبون . وقال محمد بن يزيد المبرد : هي متعلقة بمصدر الفعل المذكور ، والتقدير : للذين هم رهبتهم لربهم يرهبون . وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أيوب قال : تلا أبو قلابة هذه الآية ( إن الذين اتخذوا العجل ) إلى قوله ( وكذلك نجزى المفترين ) قال : هو جزاء كل مفتر يكون إلى يوم القيامة أن يذله الله . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : أعطى موسى التوراة في سبعة ألواح من زبرجد ،